النويري
6
نهاية الأرب في فنون الأدب
ونقصا في صناعته ؛ ويقبح به أن يعتمد على غيره فيه ويقلَّده ، ويرجع اليه في المجلس الذي هو ممّن يشار اليه فيه ، فيصير في ذلك المجلس تابعا بعد أن كان متبوعا ، ومقلَّدا لغيره ، ومسطَّرا بقلمه ما لم يعرفه وما هو أجنبىّ عنه ؛ هذا إن اتّفق أن يحضر المجلس من له معرفة بهذا العلم ؛ فأمّا إن خلا المجلس ممن يعلم ذلك جملة كان أشدّ لتوقيف « 1 » الأمر وتعطيله ، ودفعه من وقت إلى آخر ، وفى هذا من النقص والتقصير والإخلال برتبته ، وعدم الاتصاف بالكمال في صناعته ، ما لا يخفى على متأمّل . وأما معرفة صناعة الوراقة في الأمور التي ذكرناها - فلذلك من الفوائد ما لا يخفى على ذي لبّ ، لأنّ الكاتب إذا أخرج المكتوب من يده بعد إتقانه وتحرير ألفاظه على ما استقرّ عليه الاصطلاح : من التقديم والتأخير ومتابعة الكلام وسياقته ، وترصيعه وترصيفه ، حسن موقعه ، وعذبت ألفاظه ، واشرأبّت له النفوس ، ولو بلغ الكاتب في الفقه والعربيّة واللغة ما عساه أن يبلغ ولم يدر المصطلح ، وخرج الكتاب من يده وقد حرّره على قواعد الفقه والعربيّة من غير أن يسلك فيه طريق الكتّاب واصطلاحهم ، مجّته الأسماع ، ولم تقبله النفوس كلّ القبول ، وثقل على قارئه وسامعه ؛ واللَّه أعلم . فهذه لمعة كافية من فوائد ما قدّمناه ممّا يحتاج الكاتب الشّروطىّ إلى معرفته ؛ [ ذكر ما اصطلح عليه الكتاب من أوضاع الوراقة ] فلنذكر الآن صورة ما اصطلح عليه الكتّاب من أوضاع الوراقة في الأمور التي قدّمنا ذكرها على ما استقرّ عليه الحال في زماننا هذا ، ممّا يضطرّ إليه المبتدئ ، ولا يكاد يستغنى عنه المنتهى ؛ فنقول :
--> « 1 » التوقيف : مصدر « وقفته » بتشديد القاف ؛ ونقل صاحب التاج عن شيخه أن « وقفته » بالتشديد « وأوقفته » قد أنكرهما الجماهير ؛ وقالوا : غير مسموعين ، وقيل : غير فصيحين .